المقريزي
308
درر العقود الفريدة في تراجم الأعيان المفيدة ( بيروت )
الخاص والعام ، ولا يقبل لأحد شيئا ، وإنما يتقوّت من عمل العبى بيده من الصّوف ، فإذا باع العباءة وعرفه أحد فزاد فيها أكثر من قيمتها لم يقبل الزيادة وأعرض عنه ، وكان يتردّد إليه نائب الشام فيمن ( يتردد ) « 1 » فيخاطبهم بجرأة وإقدام من غير اهتبال بهم . واختصّ بصحبة شيخ الإسلام تقيّ الدين أحمد بن تيمية ، وقدم إلى القاهرة بسببه لما سجن ، وكلم الأمير بيبرس الجاشنكير في أمره ، وصدع بالنّكير عليه ، وجبهه بكلمة الحق ، واجتمع بالسلطان الملك الناصر محمد بن قلاوون في سنة اثنتي عشرة وسبع مائة بدمشق ، وكلّمه في رفع مظلمة لأهل زرع كان يتحصّل منها ألف دينار فأبطلها ، فلما خرج من عنده قال السلطان : ما رأيت أهيب من شكل هذا الرجل ، ثم أعيدت تلك المظلمة فقدم إلى القاهرة وهرع الناس لزيارته والتبرك بدعائه حتى لم يكد يتأخّر عنه أمير ولا وزير ؛ وذكر للسلطان فقال : هو فجّ الكلام ، قويّ النفس . فقيل للشيخ : ألا تجتمع بالسّلطان ؟ فقال : لا أجتمع به أبدا ، فإني استخرت اللّه تعالى سبعين مرة في الاجتماع به فلم أجد ما يدلّ على اجتماعي به ، وعاد إلى الشّام ؛ وذلك في أوائل سنة إحدى وأربعين . ثم قدم القاهرة في سنة أربع وأربعين ، واجتمع بالسّلطان الملك الصّالح عماد الدين إسماعيل بن محمد بن قلاوون ، فقضى أشغاله وعاد . ولم يزل على الازدياد من الخير حتى مات بمدينة حبراص من الشام في يوم الثّلاثاء منتصف ذي الحجة سنة إحدى وستين وسبع مائة عن أربع وتسعين سنة تقريبا . وقد أبطل اللّه على يده مكوسا كثيرة ، وأزال به مظالم عديدة ، وكان لا يعود من مصر إلا وعلى يده جملة تواقيع بإبطال حوادث ومتجدّدات من كثرة ما يقصده الناس لمثل ذلك ، فنفع اللّه به خلائق كثيرة . وكان له حظّ زائد وقبول عظيم عند الأتراك بحيث إنّ من كان لا يحبّه منهم لا يردّ سؤاله في شيء أبدا ، رحمه اللّه .
--> ( 1 ) إضافة منا لا بد منها ليستقيم النص .